وهبة الزحيلي

190

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وغرهم افتراؤهم في الدين أي خدعهم ما كانوا يختلقونه في الدّين ، كقولهم : نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، وسيشفع لنا الأنبياء ، ونحن أولاد الأنبياء ، وشعب اللّه المختار ، وإن اللّه وعد يعقوب ألا يعذّب أبناءه إلا تحلّة القسم أي مدّة قصيرة . فكيف يصنعون إذا جمعناهم للجزاء في يوم لا شك فيه ، يوم تتقطع فيه الأنساب ، ولا ينفع فيه مال ولا بنون ، يوم توفّى كل نفس ما عملت من خير أو شرّ ، دون نقص ، وهم لا يظلمون فلا يزاد في العذاب شيء ، كما قال تعالى : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها ، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [ الأنبياء 21 / 47 ] . فقه الحياة أو الأحكام : توجب الآيات الالتزام في الأحكام الشرعية وأحكام القضاء بما أمر اللّه به في كتابه ، وتندّد بفعل اليهود وغيرهم الذين إذا دعوا إلى التّحاكم بكتاب اللّه ، وما فيه من اتّباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، تولوا وهم معرضون عن حكم اللّه . وهذا في غاية ما يكون من ذمّهم ووصفهم بالمخالفة والعناد . وتندّد الآيات أيضا بمزاعم اليهود أنهم ناجون يوم القيامة من النّار ، وأنهم يعتمدون على الأنساب ، وكونهم من سلالة الأنبياء ، وأنهم شعب اللّه المختار . والحقيقة أن الجزاء يكون على قدر العمل من خير أو شرّ . وفي الآية دليل على أن من دعي إلى مجلس الحاكم ليحكم بينه وبين خصمه بكتاب اللّه ، وجب عليه أن يجيب ، ما لم يعلم أن الحاكم فاسق ، أو يعلم عداؤه من المدعي والمدعى عليه ، فإن لم يجب زجر وعزر . واستنبط المالكية من الآية أنها تدلّ على أن شرع من قبلنا شرع لنا ، إلا ما علمنا نسخه ، وأنه يجب علينا الحكم بشرائع الأنبياء قبلنا إذا ثبتت من طريق المسلمين بنقل صحيح . وإنما لا نقرأ التوراة ولا نعمل بما فيها ؛ لأن من هي في يده